Preview

Minbar. Islamic Studies

Расширенный поиск

Мусульманские богословы об Ибн аль-Хумаме и его избранных решениях в области права

https://doi.org/10.31162/2618-9569-2020-13-2-416-430

Полный текст:

Аннотация

Настоящая публикация посвящена описанию творческой биографии одного из самых авторитетных ученых-исследователей ханафитской богословско-правовой школы (мазхаба) Ибн аль-Хумама (1388–1457). На основе анализа средневековых и современных арабоязычных источников в работе приводится перечень трудов богослова в области мусульманского права (фикха), его методологии (усуль аль-фикх), мусульманского вероучения (акыда) и ряда других дисциплин исламской науки.

Для цитирования:


Киёмов И.Ж. Мусульманские богословы об Ибн аль-Хумаме и его избранных решениях в области права. Minbar. Islamic Studies. 2020;13(2):416-430. https://doi.org/10.31162/2618-9569-2020-13-2-416-430

For citation:


Kiyomov I.Z. Muslim Scholars’ Point of View on Ibn al-Humam and his Chosen Decisions in the Field of Law. Minbar. Islamic Studies. 2020;13(2):416-430. https://doi.org/10.31162/2618-9569-2020-13-2-416-430

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمة الإسلامية قدمت كثيرًا من العلماء الأفذاذ والفطاحل الذي نَدَرَ أَن يجودَ الزمان بمثلهم ففتحوا مغاليق الفكر وأناروا السبيل أمام العالم.

منهم العالم النحرير محمد بن عبد الواحدر المشهور بابن الهمام الذي كان مثلا صالحًا يقتدي به في سيرته المرضية وتقواه وصلاحه، وفي علمه الجم الذي دعا أجلاء الشيوخ إلى أن يشهدوا له بالتقدم في مختلف العلوم كالتفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو...، فتحلَّق حوله التلاميذ الذين نال الكثير منهم مكانة رفيعة في حياته أو بعد مماته.

وكثيرًا ما وقفت حيرانًا أمام عباراته في كتابه الجليل فتح القدير شرح الهداية الذي هو أصل أصيل في الفقه الحنفية، وغيره من مؤلفاته التي انتشرت في أنحاء العالم، وصرت مبهورًا بفكره الثاقب وعبقريته الفذة، فأجبرني ذلك إلى أن أكتب شيئًا عنه وأجمع ما نقل إلينا من عباقرة الأمة ورجاله في فضله وعلو مكانته وآرائه، وأعرَّف بشخصيته، ومصنفاته الشريفة.

فكمال الدين محمد بن همام الدين عبد الواحد بن حميد الدين عبد الحميد بن سعد الدين مسعود السيواسي الاسكندري القاهري الحنفي الشهير بابن همام الدين[1. 127ص]. وهمام الدين هو لقب والده عبد الواحد [2، 180ص].وكان يشهد له من صغره بالذكاء المفرط، والعقل التام، والسكون، فلما شب وكبر كانوا حتى مشايخه يحرجون منه علميًا لشدة ذكائه[1، 128ص]. وذهب أكثر المترجمين لابن الهمام أنه ولد سنة 790 ه – 1388م، وهو إلى الصواب أقرب كما يظهر من ما ذكره السخاوي[1]. وتوفي يوم الجمعة سابع رمضان سنة إحدى وستين وثمانمائة (861هـ) بِمصْر وَحضر السُّلْطَان فَمن دونه وتأسف النَّاس على فَقده وَلم يخلف بعده مثله [3، 202ص].

ثناءات العلماء عليه

قال تلميذه الإمام السخاوي: وكان إماما علامة عارفا بأصول الديانات والتفسير والفقه وأصوله والفرائض والحساب والتصوف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدل....، عالم أهل الأرض ومحقق أولى العصر حجة أعجوبة ذا حجج باهرة واختيارات كثيرة وترجيحات قوية... وهو أنظر من رأيناه من أهل الفنون ومن أجمعهم للعلوم وأحسنهم كلاما في الأشياء الدقيقة وأجلدهم على ذلك مع الغاية في الاتقان والرجوع إلى الحق في المباحث.

بل وصفه أحد رفقائه في طلب العلم، وهو البرهان الأنباسي إبراهيم بن حجاج (ت836ه)، وقد صرح أن كمال الدين ابن الهمام في رفعة مقامه العلمي بلغ حدا لم يبلغه من أقرانه بل من شيوخه، حيث قال: لو طلبت حجج الدين: ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره.

وشيخنا البساطي وإن كان أعلم: الكمال ابن الهمام أحفظ منه، وأطلق لسانا.

وأتبع السخاوي بعد نقل كلام الأبناسي قائلا: هذا مع وجود الأكابر إذا ذاك.

بل أعلى من هذا: فإن البساطي لما رام المناظرة مع العلاء البخاري بسبب ابن الفارض ونحوه، قيل له: من يحكم بينكما إذا تناظرتما؟ فقال: ابن الهمام؛ لأنه يصلح أن يكون حكم العلماء.

ووصفه شيخه الحافظ ابن حجر بالعلامة الفاضل.

وختم السخاوي ترجمته بعد ذكر وفاته فقال: وتأسف الناس على فقده، ولم يخلف بعده مثله في مجموعه، وذلك في الجمع بين علمي المنقول والمعقول والدين والورع والعفة والوقار[1، 129ص].

ويصفه تلميذه ابن تغري بردي بشيخ الإسلام، وعلامة زمانه[4، 187ص].

ووصفه تلميذه ابن أمير حاج (ت879ه) في أول شرحه على تحرير الأصول: شيخنا الإمام الهمام العلامة، والحبر المدقق الفهامة، محقق حقائق الفروع والأصول، محرر دقائق المسموع والمعقول، شيخ الإسلام والمسلمين، كمال الملة والفضائل والدين، الشهير نسبه الكريم بابن همام الدين[5، 3ص].

وعدّه تلميذه الإمام السيوطي من أئمة اللغة والنحويين، فقد ترجم له في كتابه: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة.

وذكر فيه أنه كان علامة في الفقه والأصول، والنحو والتصريف والمعاني والبيان، والتصوف، وغيرها

ومدحه تلميذه الشهاب المنصور بقصيدة رائعة.

ومما قاله فيها[6، 166، 168ص].:

ولا تقس بالبدر وجه شيخنا

فإنه عند الكمال يكسف

بحر خضم في العلوم زاخر

سيف صقيل في الحقوق مرهف

سل عنه في العلم وفي الحلم معا

فهو أبو حنيفة والأحنف

فهو من الخير وأنواع التقي

على الذي كان عليه السلف

فلو حلفت أنه شيخ الهدي

لصدق الناس وبر الحلف

يا دوحة العلم التي قد أينعت

ثمارها والناس منها تقطف

وقال عنه العلامة أمير باد شاه في أول تيسير التحرير: الشيخ الإمام العلامة، مجتهد دهره، ومحققق عصره، شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، مفيد الطالبين، قطب العارفين[7، 3ص]

ووصفه العلامة التمرتاشي صاحب تنوير الأبصار (ت 1004ه) في أول شرحه على زاد الفقير بقوله حضرة قدوة العلماء المتبحرين، وزبدة الفضلاء العارفين، الشيخ العلامة كمال الدين محمد بن همام الدين [8، 45ص].

ووصفه العلامة الدقدوسي التونسي الأزهري (ت1122ه) في أول شرحه لزاد الفقير بقوله: العالم الشيهر، والجهبذ النحرير، الكمال بن الهمام[9، 129ص].

وقال عنه العلامة اللكنوي (ت1304ه): كان إماما نظَّارًا، فارسا في البحث فروعيا وأصوليا، محدثا مفسرا، حافظًا نحويًا[2، 180ص].

ولما تولى ابن الهمام تدريس الفقه في القبة المنصورية أقام مجلسًا علميًا حافلًا، ودعا إليه شيوخه: الحافظ ابن حجر العسقلاني، والسراج قارئ الهداية، والبساطي، والأقصرائي، وخلقا، وقد وصف السخاوي هذا المجلس الحافل بقوله:

تكلم فيه على قوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وقال الكلام على هذه الآية كما يجيء، لا كما يجب، أبان فيه عن يد طولى، وتمكن زائد في العلوم، بحيث أقرا الناس بسعة علمه، وأذعنوا له. قال البساطي: دعوه يتكلم ويتلذذ بمقاله، فإنه يقول ما لا نظير له.

وقال السخاوى: واستمر يترقى في درج الكمال حتى صار عالما مفننا علامة متقنا درس وأفتى وأفاد وعكف الناس عليه واشتهر أمره وعظم ذكره[1، 129، 130ص].

آثاره العلمية

وترك ابن الهمام كتبًا ورسائل قليلة، شملت الفقه وأصول الفقه، وعلم الكلام، وهي خير دليل على عمق فكره واستيعابه لدقائق مسائلها، وهذا الكتب هي:

1– زاد الفقير

وهي رسالة لطيفة فيها خلاصة مفيدة لأحكام الصلاة وشروطها في المذهب الحنفي، أهداها الإمام ابن الهمام لطلاب العلم، وهي خير زاد يتزود به الفقير إلى رحمة الله؛ لتكون له أسوة في صلاته، يتعلم منها كيف يؤدي صلاته على الوجه الصحيح الذي رسمه له الفقهاء رضي الله عنهم، وبينوه له فيها[2].

2– فتح القدير

يعدّ هذا الكتاب من أجَلِّ شروح كتاب (الهداية) للإمام العلامة برهان الدين المرغيناني، ومن أهمِّ كُتُب الفقه الحنفيِّ وأفضلِ مراجعه.

قال ابن تَغْرِي بَرْدِي: وهو غايةٌ في الحُسْنِ، بل لم يُعمَلْ عَلَى (الهداية) مثلُه.

وقد ذكر ابن الهمام سبب تسمية الكتاب، قائلًا: ولما جاء بفضل الله ورحمته أكبر من قدري بما لا ينتسب بنسبة علمت أنه من فتح جواد القادر على كل شيء فسميته والله المنة فتح القدير للعاجز الفقير...

وقد شرع الإمام ابن الهمام في كتابته سنة 829هـ، عند ابتداء إقرائه لبعض إخوانه؛ ليكون عدّةً لطالبي الرواية، ومرجعاً لِصارِفِيِّ العناية في طلب الهداية [10، 8ص]، إلا أنه لم يكمله، حيث توفي ـ رحمه الله ـ قبل أن يتمّه، ووصل فيه إلى (كتاب الوكالة)، فشرح الأوراق الأولى منه، إلى قول صاحب (الهداية): (والعقد الذي يعقده الوكلاء على ضربين)، وقد قام الشيخ شمس الدين أحمد بن بدر الدين محمود، المعروف بقاضي زاده[3]، الْمُتوفَّى سنة (988هـ) بإكماله، فابتدأ بشرحه من أول (كتاب الوكالة) إلى آخر الكتاب، وسماه: (نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار)[4].

3– التحرير في أصول الفقه:

هو من أمهات الكتب الأصولية التي يرجع إليها الأصوليون على كلا الاتجاهين، الحنفية والشافعية، لما جمع فيه ابن الهمام بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، وقد كان شرع في كتابته مطولا ثم عدل عن ذلك كما جاء في مقدمة الكتاب: (فإني لما أن صرفت طائفة من العمر للنظر في طريقي الحنفية والشافعية في الأصول، خطر لي أن أكتب كتابًا مفصحًا عن الاصطلاحين....، فظهر بعد قليل أنه سِفر كبير، وعرفت من أهل العصر انصراف همهم في غير الفقه إلى المختصرات.... فعدلت إلى مختصر متضمن إن شاء الله تعالى الغرضين)[11، 3ص]. ورتبه على مقدمة وثلاث مقالات، جمع فيها علما كثيرًا وبالغ في الإيجاز حتى صار صعب المنال. فشرحه تلميذه ابن أمير الحاج[5] الحنفي وسمى شرحه « التقرير والتحبير، وقال فيه [5، 3]: (ومما شهد له بهذا الفضل الغزير مصنفه المسمى بالتحرير فإنه قد حرر فيه من مقاصد هذا العلم ما لم يحرره كثير مع جمعه بين اصطلاحي الحنفية والشافعية على أحسن نظام وترتيب واشتماله على تحقيقات الفريقين على أكمل توجيه وتهذيب...)[6].

وشرحه أيضًا محمد أمين المعروف بأمير باشاه المتوفي سنة 987ه، وسماه تيسير التحرير[7]. وقد اختصر ابن نجيم المتوفي سنة 970ه. كتاب التحرير بكتاب أسماه لب الأصول [12، 357ص].

4– شرح بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام.

وبديع النظام، للشيخ الإمام مظفر الدين أحمد بن علي، المعروف بابن الساعاتي البغدادي الحنفين المتوفى سنة 694هـ.

وبديع النظام هذا هو مختصر لطيف جمع فيه ابن الساعاتي زبدة كلام الآمدي في كتابه الإحكام في أصول الأحكام الذي كتبه على طريقة المتكلمين الشافعية، والبزدوي الذي كتب كتابه على طريقة الحنفية في علم أصول الفقه [12، 235ص].

وقد ذكر هذا الشرح الكمال بن الهمام نفسه في كتابه فتح القدير حيث قال: (... وقد أوضحناه فيما كتبناه على البديع).

5– المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة:

وهي اختصار لكتاب الغزالي» الرسالة، القدسية بأدلتها البرهانية»، والرسـالةكتبها الغزالي لأهل القدس مفردة، ثم أودعها في كتاب» قواعد العقائد»، وهو الثـاني من كتب الإحياء.

شرع ابن الهمام أولا في اختصار الرسالة ثم عرض لخاطره استحسان زيـادات على ما فيها، فلم يزل يزداد حتى خرج التأليف عن القصـد الأول، فصـار تأليفـًا مستقلًا، غير أنه سايره في تراجمه وزاد عليها خاتمة بعدها ومقدمة في صـدر الـركن الأول، وينحصر الكتاب بعد المقدمة في أربعة أركان: الأول في ذات االله تعالى، والثاني في صفاته، والثالث في أفعاله، والرابع في صدق الرسول.

وقد شرح الكتاب عدة شروح:

فشرحه تلميذ الشيخ كمال الدين محمد بن محمد، المعروف بابن أبي شريف القدسي الشافعي، المتوفى سنة 905ه، وسماه (المسامرة بشرح المسايرة).

وشرحه سعد الدين بن الديري الحنفي، المتوفى سنة 867ه.

وشرحه تلميذه الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة 879ه.

وشرحه الأستاذ الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وسمى شرحه (نتائج المذاكرة بتحقيق مباحث المسايرة)[8].

6– رسالة في إعراب قوله صلى الله عليه وسلم : (كلمتان خفيفتان على اللسان...)

الرسالة هي جواب أسئلة عن إعراب حديث رسول االله « :كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان، سبحان االله وبحمده، سبحان االله العظيم» ، فحرر ابن الهمام إجابته بأسلوب علمي يدل على تبحره في النحو، وتمكنه في العلوم النقلية[9].

7– رسالة في تعارض النفي والإثبات، وهي جواب عن سؤال وقع في مجلس السلطان الملك الأشرف برسباي، سنة 837ه، وتقع في صفحتين ونصفن أوردها السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية.

8– جَمَعَ فتاوى شيخه قارئ الهداية سراج الدين عمر بن على (ت 829ه) كما ذكر العلامة ابن عابدين[13، 609ص].

وذكر سائد بكداش في مقدمة تحقيقه على زاد الفقير أن صاحب كشف الظنون أخطأ حيث نسبها إلى عمر بن إسحاق.

9– فواتح الأفكار في شرح لمعات الأنوار (مقدمة في فن تشريح بدن الإنسان وأعضائه)، شرح فيه رسالة شيخه ابن جماعة، غير مطبوع.

قال عنها طاش كبري زاده: (وكتب التشريح أكثر من أن تحصى...، ورسالة ابن الهمام مختصر نافع في الباب). ـ

10– ومن أعماله العلمية: مروياته في الأحاديث، وقد خرجها له تلميذه الإمام السخاوي، حيث قال: (لم يكثر ابن الهمام من الرواية، وخرجت له من مروياته بالسماع والإجازة أربعين حديثًا، وابتهج بذلك، وحدث بها،كما سمعها منه بعض الفضلاء، وتزايد تعظيمه لي، وثناؤه علي).

11– ومن آثاره العلمية أيضًا: شعر لطيف، ونظم ظريف، وقد ذكر بعضه تلميذه السخاوي، حيث قال: (ومن نظمه: أول قصيدة كتبتها عنه:

إذا ما كنت تهوى خفض عيش

وأن ترقى مدارج للكمال

وقد جمع السخاوي عدة مجاميع من نظمه [1، 129ص].

12– ومن أعماله العلمية ما كتبه من إجازات علمية لتلامذته، ومن تلك الإجازات: إجازات محفوظة في مخطوطات السليمانية في تركيا، كما ذكر سائد بكداش في مقدمة تحقيقه لزاد الفقير [13، 46-52ص].

مرتبة ابن الهمام بين العلماء

ولقد عكف كثير من فقهاء الحنفية على أبحاث ابن الهمام وتحقيقاته، وأثنوا على تحريراته وترجيحاته، واستفادوا وأفادوا من تدقيقاته. فابن نجيم يعقب على بعض المسائل التي حققها ابن الهمام بقوله: (وقد أطال فيه المحقق في فتح القدير إطالة حسنة كما هو دأبه). ويقول أيضًا عند الحديث عن قضاء الفوائت: (ولقد أحسن رحمه الله وأجاد كما هو دأبه في التحقيق)[14، 56، 86ص].

ومن أخبار درجته العلمية، ومكانته العلية التي وصل إليها في علم الفروع والأصول: حكاه عنه السخاوي بقوله: كان ابن الهمام يصرح بأنه لولا العوارض البدنية من طول الضعف والأسقام، وتراكمهما في طول المدد: لبلغ رتبة الاجتهاد[1، 131ص].

وقد أكد غير واحد من الفقهاء الحنفية أن ابن الهمام من أهل الترجيح، وهذا ابن عابدين[10]– رحمه الله – يقول: (فإذا اختلف المشايخ في تقديم هذه المدة أي مدة ارتفاع الحيض المستمر الذي يعد عيبًا في الجارية: احتيج إلى ترحيح أحد القولين، والمحقق ابن الهمام من رجال هذه الكتيبة) [15، 47ص]. ويقول أيضًا: (والكمال صاحب الفتح من أهل الترحيح بل من أهل الاجتهاد المطلق كما قدمنا في نكاح الرقيق). ويقول أيضا: وقد قدمنا غير مرة أن الكمال ابن الهمام من أهل الترجيح كما أفاده في قضاء البحر، بل صرح بعض معاصريه بأنه من أهل الاجتهاد [16، 688ص].

قال اللكنوي مؤيدًا رأي الذين اعتبروا ابن الهمام من أهل الاجتهاد: (عده ابن نجيم في (البحر الرائق) من أهل الترجيح، وعده بعضهم من أهل الاجتهاد، وهو رأي نجيح تشهد بذلك تصانيفه وتآليفه) [2، 180ص].

وقال عنه أعجوبة بلاد بلغار وقازان العلامة المحقق النظار الشهاب المرجاني[11] (1306ه) وهو يذكر المجتهدين: وهو ليث هذه الكتيبة، وضرغام الغابة، كما يدل عليه ما اشتمل عليه تصانيفه، وتضمنه تواليفه، ويظهر ذلك ظهورًا تامًا لمن تأمل في أقواله، ونظر في أحواله، ولذلك صار عنوان المحقق بمنزلة العلم له.

ثم قال: والاجتهاد به أليق، وهو به أنسب وأحق، فإنه في المعرفة بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والإحاطة بها، والاطلاع على مراتبها: غواص بحره، وفي المهارة في الأصول والعربية وسعة إداركه وإتقانه: ملاك أمره، وإنه في تحقيق المعقول والمنقول: لا يساهم، ومقامه في التحرير والتلخيص والتدقيق لا يزاحم) [17، 146، 149ص].

وقال العلامة الشيخ عبد الله مصطفى المراغي:(اختلف الفقهاء في تقدير ابن الهمام هل هو مجتهد اجتهادًا مطلقًا، أو مجتهد مذهب، أو مجتهد في المسائل التي لا نص فيها، أو محتهد في التخريج عند النظر في قول الإمام المحتمل وجهين، أو مجتهد ترجيح، أو مجتهد في التمييز بين القوي والأقوى، أو هو مقلد يلتزم التقليد فحسب؟ وعندي: أن ابن الهمام مجتهد في الجزئيات يخالف إمامه في بعضها، ويتبعه بعضها، شأن المجتهد الجزئي، فإن الاجتهاد يتجزأ) ملخصًا [18، 37ص].

ولكن لابن الهمام – رحمه الله – اختيارات وترجيحات خاصة، خالف فيها المعتمد من مذهب سادتنا الحنفية – رحمهم الله -، فاختيارته شيء والمذهب شيء آخر، ولا تُلغى المعتمد في المذهب. كما نقل العلامة المرجاني – رحمه الله – قول تلميذ ابن الهمام – رحمه الله -، قائلًا: (وقد أفاد العلامة قاسم بن قطلوبغا الجمالي في فتاواه أنه لا يعمل بأبحاث شيخه) [17، 146ص].

وأما ابن عابدين – رحمه الله – فقال: (العلامة قاسم: لا عبرة بأبحاث شيخنا – يعني ابن الهمام– إذا خالفت المنقول). يعنى المنقول عن المذهب، والله أعلم [16، 219ص].

الخلاصة

والحاصل أن ابن الهمام بلغ رتبة الاجتهاد المطلق في نظر الكثيرين من فقهاء الحنفية، وليس درجة الترجيح فقط.

وكتابه فتح القدير هو من أهم الشروح لكتاب الهداية للإمام المرغيناني الجامع لفروع الفقه الحنفي مع أدلتها من الكتاب والسنة والقياس، وهو شرح جمع فيه المؤلف بين طريقتي الفقهاء والمحدثين من ناحية الفقهية والحديثية.

وقد عول عليه من جاء بعده من العلماء، كتبهم مليئة بالنقل عن هذا الكتاب الجامع.

ومن علماء بلغار وقازان وجدت العلامة المرجاني – رحمه الله – أكثر اهتمامًا لأبحاث كمال الدين ابن الهمام – رحمه الله -، حيث يذكر قوله، ويتمسك به في كثير من المسائل الفقهية والأصولية وغيرها، في تأليفاته، ومراسلاته. وخاصة في كتابه ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق، كما لا يخفي لمن قرأ هذا الكتاب.

وموقف ابن الهمام من المصادر نقل عنها في كتبه ورسائله موقف الناقد المتأمل، الفاحص المرجح، لا يأخذ رأيا إلا إذا قام عليه دليل نقلي صحيح، أو عقلي مقبول.

إن الإمام كمال الدين ابن الهمام – رحمه الله – هو من أئمة الحنفية وفقهائهم المنتسبين إليهم، المتمسكين بمذهبهم، ولا يصح أن يُخرَج عن علماء سادتنا الحنفية رحمهم الله تعالى بهذه الاختيارات المعدودة القليلة من بين عشرات آلاف المسائل، ولا أن يوصف بالاستقلال عن سادتنا الحنفية رحمهم الله تعالى.

مسألة المفتى به في المذهب أعنى مذهب سادتنا الحنفية رحمهم الله مسألة مهمة ودقيقة شائكة متجاذبة الأطراف تحتوي قواعد وضوابط وتدار عليها لا يهدى بها إلا من رزقه الله تعالى فهم ثاقب، وممارسة طويلة في دراسة كتب المذهب عند الشيوخ الكرام.

إن المفتي أن يتبع ما رجّحوه أهل الترجيح ولايعدل عما صحّحوه، إلا مراعاة لأصول الإفتاء أو قواعد رسم المفتي من ضرورة وتيسير ورفع حرج ومصلحة وعرف وتغير زمان، وهي أسس ومبادئ رئيسة في العمل بالأحكام، ومخالفتها مخالفة للمعتمد من المذهب، وإيقاع للناس في حرج شديد.

Список литературы

1. Ас-Сахави, Шамс ад-Дин Абу аль-Хайр Мухаммад ибн ‘Абд ар-Рахман. Ад-даву аль-лами‘ ли-ахли аль-карн ат-таси‘. T. 8. Бейрут: Мактабат аль-хаят; 300 с.

2. Аль-Лакнави, Абу аль-Хасанат Мухаммад ‘Абд аль-Хайй ибн Мухаммад. Аль-фаваид аль-бахия фи тараджими аль-ханафия. Египет: Дар асСа‘ада; 1324 х. 249 c.

3. Аш-Шавкани, Мухаммад ибн ‘Али ибн Мухаммад ибн ‘Абдаллах АльЙамани. Аль–Бадру ат-Тали‘ би-махасин мин ба‘д ал-карн ас-саби‘. Т. 2. Бейрут: Дар аль-Ма‘рифа; 375 с.

4. Ибн Тагри Барди, Абу аль-Махасин Юсуф ибн Тагри Барди ибн ‘Абдаллах Аз-Захири Аль-Ханафи. Аз-Захират фи мулук аль-миср ва-ль-кахира. Т. 16. Египет: Дар аль-Кутуб; 549 с.

5. Ибн Амир Хадж Абу ‘Абдаллах Шамс ад-Дин Мухаммад ибн Мухаммад ибн Мухаммад aль-Ханафи. Ат-Такрир ва-т-тахбир. Т. 1. Бейрут: Дар аль-Кутуб аль-‘илмиййа; 1983. 356 с.

6. Ас-Суюти, ‘Абд ар-Рахман ибн Аби Бакр. Бугят аль-вагат фи табакат аль-лугавийиин ва-н-наха. Т. 1. Ливия: аль-Мактаба аль-‘асриййа; 607 с.

7. Амир Падшах, Мухаммад Амин ибн Мухаммад Аль-Бухари аль-маруф аль-Хaнафи. Тайсир ат-Тахрир. Т. 1. Бейрут: Дар аль-Кутуб аль-‘илмиййа; 1983. 387 с.

8. Ат-Тумурташи, Шамс ад-Дин Мухаммад ибн ‘Абдаллах ибн Ахмад аль-Гиззи аль-Ханафи. И‘анат аль-хакир ли-зад аль-факир. Амман: Дар аннавадир; 2017. 560 с.

9. Ад-Дакдуси, Ахмад ибн Ибрахим ат-Туниси. Исаф аль-мавла аль-кадир шарх зад аль–факир. Амман: Дар ан-навадир; 2012. 586 с.

10. Ибн Хумам, Камал ад-Дин Мухаммад ибн Хумам ад-Дин ‘Абд альВахид аль-Ханафи. Фатх аль-кадир ли-ль-‘аджиз аль-факир. Т. 1. Бейрут: Дар аль-кутуб аль-‘илмиййа; 2003. 524 с.

11. Ибн Хумам, Камал ад-Дин Мухаммад ибн Хумам ад-Дин ‘Абд аль-Вахид аль-Ханафи. Ат-тахрир. Египет: Мустафа аль-Халаби; 1932. 565 с.

12. Хаджи Халифа Мустафа ибн ‘Абдаллах Катиб Чалби аль-Кустантинийа аль-машхур би-исм Хаджи Халифа: Кашф аз-зунун ‘ан усами аль-кутуб ва-аль-фунун. Т. 1. Багдад: Мактабат аль-мусанна; 1941. 940 с.

13. Мукаддимат ад-дуктур Саид Бакдаш ‘ала зад аль-факир. Бейрут: Дар аль-башаир аль-исламиййа; 2003. 207 с.

14. Ибн Нуджайм, Зайнуддин ибн Ибрахим ибн Мухаммад, аль-ма‘руф би-ибн Нуджайм аль-мисри. Аль-бахр ар-раик шарх канз ад-дакаик. Т. 2. Дар аль-китаб аль-исламиййа; 398 с.

15. Ибн ‘Абидин, Мухаммад Амин ибн ‘Умар ибн ‘Абд алб-‘Азиз ‘Абидин ад-Димашки аль-Ханафи. Минхату аль-халик хашияту аль-бахр ар-раик. Т. 2. Дар аль-китаб аль-исламия; 398 с.

16. Ибн ‘Абидин, Мухаммад Амин ибн ‘Умар ибн ‘Абд аль-‘Азиз ‘Абидин ад-Димашки аль-Ханафи. Радд аль-мухтар ‘ала ад-дурр аль-мухтар. Т. 3. Бейрут: Дау аль-фикр; 1992. 851 с.

17. Аль-Марджани, Шихаб ад-Дин Абу аль-Хасан Харун ибн Баха ад-Дин аль-Казани. Назират аль-хакк фи фардиййат аль-‘иша ва-ин лам йагиб аш-шафак. Стамбул: Дар аль-хикма; 2012. 555 с.

18. Аль-Мараги, ‘Абдуллах Мустафа. Аль-фатх аль-мубин фи табакат аль-усулийин. Т. 3. Египет: Ансару ас-сунна аль-Мухаммадия; 1947. 242 с.


Об авторе

И. Ж. Киёмов
Болгарская Исламская Академия
Болгария
Киёмов Идрисджон Жумакулович, докторант


Для цитирования:


Киёмов И.Ж. Мусульманские богословы об Ибн аль-Хумаме и его избранных решениях в области права. Minbar. Islamic Studies. 2020;13(2):416-430. https://doi.org/10.31162/2618-9569-2020-13-2-416-430

For citation:


Kiyomov I.Z. Muslim Scholars’ Point of View on Ibn al-Humam and his Chosen Decisions in the Field of Law. Minbar. Islamic Studies. 2020;13(2):416-430. https://doi.org/10.31162/2618-9569-2020-13-2-416-430

Просмотров: 201


Creative Commons License
Контент доступен под лицензией Creative Commons Attribution 4.0 License.


ISSN 2618-9569 (Print)