Preview

Minbar. Islamic Studies

Расширенный поиск

Суннитское вероучение: основы, обновление и вызовы

https://doi.org/10.31162/2618-9569-2026-19-1-121-135

Содержание

Перейти к:

Аннотация

: В данной статье представлены основные положения суннитского вероучения, сформулированного ашаритскими и матуридитскими богословами, с акцентом на его сбалансированность между Откровением и разумом, утверждением божественных атрибутов и трансцендентностью божественной сущности, умеренностью и интеллектуальной глубиной. В статье также обсуждается необходимость обновления суннитского калама в ответ на современные мировоззренческие вызовы, в особенности атеизм, материализм и светскую идеологию. В статье предлагаются практические пути обновления через интеграцию современных научных открытий, рационального осмысления и конструктивного диалога. В заключение автор приходит к выводу, что подлинное обновление богословия должно опираться на неизменные основы суннитского вероучения с одновременным переосмысливанием и изложением его истины языком современности.

Для цитирования:


Аль-Асри С. Суннитское вероучение: основы, обновление и вызовы. Minbar. Islamic Studies. 2026;19(1):121-135. https://doi.org/10.31162/2618-9569-2026-19-1-121-135

For citation:


Al-Asri S. Sunni creed: foundations, renewal and challenges. Minbar. Islamic Studies. 2026;19(1):121-135. (In Russ.) https://doi.org/10.31162/2618-9569-2026-19-1-121-135

المقدمة

الحمدُ للهِ الذي تفرَّدَ بالكمالِ والجلالِ، وتقدَّسَ عن الشَّبيهِ والمثالِ، أحمدُه سبحانه على نعمهِ التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، شهادةً تنيرُ القلوبَ وتثبِّتُ الأقدامَ على صراطِه المستقيمِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، سيِّدُ الأنامِ، أرسلهُ اللهُ بالهدى ودينِ الحقِّ ليظهرَه على الدينِ كلِّهِ، فبلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمةَ، وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِهِ، فصلواتُ ربي وسلامُه عليه، وعلى آلهِ الطاهرينَ وأصحابِهِ الغرِّ الميامينَ، ومن تبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ:

فالعقيدةُ السنيةُ التي نهضَ بها الأشعريَّةُ والماتريديَّةُ عقيدةٌ راسخةٌ جمعتْ بين أنوارِ النقلِ وجلاءِ العقلِ، في توازنٍ فريدٍ يضمنُ سلامةَ الإيمانِ وصفاءَ الفكرِ.

عقيدةٌ مبنيَّةٌ على نصوصِ الوحيِ، ومؤيَّدةٌ بحججِ العقلِ، ومُرَسِّخَةٌ للوسطيَّةِ ورفضِ الغلوِّ، فكانت باستحقاقٍ اللواءَ الجامعَ للمسلمين، والرَّكيزةَ لوحدتِهم الفكريةِ والشرعيةِ عبرَ العصورِ، تذودُ عن حياضِ الدينِ، وتبرهنُ على عقائدِ الإسلامِ، وتبينُ حقائقهِ بحكمةٍ ورسوخٍ.

ومع ذلك يبقى علمُ الكلامِ السنيِّ بمدرسَتَيه الأشعريَّةِ والماتريديةِ بحاجةٍ ماسةٍ إلى التجديدِ ليواكبَ التحدياتِ الفكريةِ والمعرفيةِ المعاصرةِ، خاصةً في ظلِّ تطورِ العلومِ وانتشارِ الأفكارِ الجديدةِ مثلِ الإلحادِ، والعلمانيةِ، والتطورِ التكنولوجيِّ، وهناك قضايا عديدةٌ يمكن أن تكونَ محورًا للتجديدِ في علمِ الكلامِ الأشعريِّ سنأتي على ذكرها في المحورِ الثاني من هذا البحثِ.

وأُشَعِّبُ كلمتي إلى شعبتينِ:

الشعبةُ الأولى: الأصولُ الثمانيةُ لأهلِ السنةِ الأشعريةِ والماتريديّة.ِ الأصلُ الأولُ: الجمعُ بينَ الشَّرْعِ المَنْقُولِ والحَقِّ المَعْقُولِ.

من أصلِ أهلِ السنةِ الأشاعرةِ والماتريديةِ الإيمانُ والتسليمُ بما جاءَ عن اللهِ ورسولِهِ صلى الله عليه وآله وسلمِ، وفهمُ نورِ الوحيِ في ظلِّ هدايةِ العقلِ، دونَ مصادمةٍ بينهما، إذِ الوحيُ أمرُ اللهِ، والعقلُ خلقُ اللهِ، ولا تعاندَ بين أمرهِ وخلقهِ.

وأثمرَ ذلكَ توطيداً لمعاني العقيدةِ التي جاءتْ بها النصوصُ الشرعيةُ، وإسناداً لها ببراهينِ العقلِ، واستثمارُ كلِّ ما يعززُ العقيدةَ السنيةَ، من دلائلِ الكونِ، وقوانينِ المنطقِ والفلسفةِ، إلى معارفِ العصرِ وثقافتِهِ.

وهذا منهجٌ رشيدٌ، وطريقٌ سديدٌ، جامعٌ بين الشرعِ والعقلِ، ولا مستندَ للشرعِ إلا قولُ سيدِ البشرِ، وبرهانُ العقلِ هو الذي عرفَ صدقَهُ فيما أخبرَ، فالعقلُ مع الشرعِ نورٌ على نورٍ، ومَنْ أهملَ واحداً منهما فهو متدلٍ بحبلِ غرورٍ.

قال إمامُ الحرمينِ الجوينيُّ: «العقلُ لا يدلُّ على حسنِ شيءٍ ولا قبحِهِ في حكمِ التكليفِ، وإنما يَتلقَّى التحسينَ والتقبيحَ من مواردِ الشرعِ، وموجبِ السمعِ. وأصلُ القولِ في ذلك أن الشيءَ لا يحسنُ لنفسِهِ وجنسِهِ وصفةٍ لازمةٍ لهُ، وكذلك القولُ فيما يقبحُ مثلُهُ المساوي في جملةِ أحكامِ صفاتِ النفسِ» [1، ص 278].

وقال حجةُ الإسلامِ الغزالي (ت505): «الحمدُ للهِ الذي اجتبى من صفوةِ عبادهِ عصابةَ الحقِّ وأهلَ السنةِ، وخصهم من بين سائرِ الفرقِ بمزايا اللطفِ والمنةِ ... وطهرَ ضمائرَهُم عن نزغاتِ الزائغينَ، وعمرَ أفئدَتَهُم بأنوارِ اليقينِ، حتى اهتدوا بها إلى أسرارِ ما أنزلهُ على لسانِ نبيِّهِ وصفِيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم سيدِ المرسلينَ، واطلعوا على طريقِ التلفيقِ بين مقتضياتِ الشرائعِ وموجباتِ العقولِ؛ وتحققوا أن لا معاندةَ بين الشرعِ المنقولِ والحقِّ المعقولِ» [2، ص 9].

وقالَ: «وكيفَ يهتدي للصوابِ من اقتفى محضَ العقلِ واقتصرَ، وما استضاءَ بنورِ الشرعِ ولا استبصرَ» [3، ص 10].

الأصلُ الثاني: الإثباتُ والتنزيهُ.

من أصلِ أهلِ السنةِ الأشاعرةِ والماتريديةِ الإيمانُ بصفاتِ اللهِ، إيمانًا مبنيًا على قاعدةِ الجمعِ بين الإثباتِ والتنزيهِ، إثباتًا لا يشوبُهُ تمثيلٌ ولا تشبيهٌ، وتنزيهًا لا يخالطُهُ تحريفٌ ولا تعطيلٌ، بل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

فهو سبحانه متصفٌ بالقدرةِ والإرادةِ والعلمِ والحياةِ، والسمعِ والبصرِ والكلامِ، وزاد الماتريديةُ التكوينَ.

فهو سبحانه قادرٌ بقدرةٍ هي: صفةٌ واجبةٌ أزليةٌ قائمةٌ باللهِ يتأتى بها إيجادُ الممكنِ وإعدامُهُ.

وهوَ سبحانه مريدٌ بإرادةٍ هي: صفةٌ واجبةٌ أزليةٌ قائمةٌ به سبحانَهُ، زائدةٌ على الذاتِ، تخصصُ الممكنَ ببعضِ ما يجوزُ عليهِ.

وهو سبحانه عالمٌ بعلمٍ هو: صفةٌ واجبةٌ أزليةٌ قائمةٌ باللهِ متعلقةٌ بجميعِ الواجباتِ والجائزاتِ والمستحيلاتِ على وجهِ الإحاطةِ بها على ما هي به من غيرِ سبقِ خفاءٍ.

وهو سبحانه حيٌّ بحياةٍ هي: صفةٌ واجبةٌ أزليةٌ تقتضي صحةَ الاتصافِ بالعلمِ وغيرِهِ من الصفاتِ الواجبةِ له سبحانَهُ.

وهوَ سبحانه سميعٌ بسمعٍ هو: صفةٌ قديمةٌ واجبةٌ قائمةٌ باللهِ تعالى، ينكشفُ بها الموجودُ انكشافًا تامًا، والانكشافُ بالسمعِ يزيدُ على الانكشافِ بالعلمِ؛ فهو سبحانَهُ سميعٌ لا يعزبُ عن سمعِهِ مسموعٌ وإن خفيَ، ولا يحجبُ سمعَهُ بُعْدٌ، يسمعُ من غيرِ صماخٍ وأذنٍ وآلةٍ، لا تشبهُ صفاتُهُ صفاتِ الخلقِ كما لا تشبهُ ذاتُهُ ذواتِ الخلقِ.

وهو سبحانه بصيرٌ ببصرٍ هو: صفةٌ قديمةٌ واجبةٌ قائمةٌ باللهِ تعالى، ينكشفُ بها الموجودُ ويتضحُ اتضاحًا تامًا، والانكشافُ بالبصرِ يزيدُ على الانكشافِ بالعلمِ، فيجبُ الإيمانُ بأنه تعالى بصيرٌ، لا يغيبُ عن رؤيتِهِ مرئيٌّ وإن دقَّ، ولا يدفعُ رؤيتَهُ ظلامٌ، يرى من غيرِ حدقةٍ وأجفانٍ.

والتكوينُ: وهو صفةٌ قديمةٌ واجبةٌ قائمةٌ بذاتِ اللهِ تعالى، تجمعُ صفاتٍ تدلُّ على تأثيرٍ، وتلكَ الصفاتُ لها أسماءٌ غيرُ اسمِ القدرةِ باعتبارِ آثارها، فإن كان ذلك الأثرُ مخلوقًا فالاسمُ الذي يدلُّ على تلك الصفةِ هو الخالقُ، والصفةُ الخلقُ، وإن كان ذلك الأثرُ رزقًا فالاسمُ الذي يدلُّ على تلك الصفةِ هو الرازقُ أو الرزاقُ، وهكذا.

وكمالاتُ المولى لا تنحصرُ فيما سبقَ، وإنما هذه أصولُ الكمالاتِ، وإليها يرجعُ ما عَدَاها.

الأصلُ الثالثُ: التفويضُ والتأويلُ مسلكانِ معتبرانِ.

التفويضُ والتأويلُ مسلكانِ معتبرانِ في الصفاتِ الخبريَّةِ، لا مذهبانِ، فمذهبُ أهلِ السنةِ واحدٌ، وهو التنزيهُ، والتفويضُ والتأويلُ طريقانِ موصلانِ إليه.

أمَّا التفويضُ فهو مذهبُ معظمِ السلفِ أو كلِّهم، وحقيقتهُ: أنه لا يتكلمُ في معنى الصفاتِ الخبريةِ، بل يقولونَ يجبُ علينا أنْ نؤمنَ بها، ونعتقدَ لها معنىً يليقُ بجلالِ اللهِ تعالى وعظمتِهِ، مع اعتقادنا الجازمِ أن اللهَ تعالى ليسَ كمثلِهِ شيءٍ، وأنهُ مُنزَّهٌ عن التجسيمِ والانتقالِ والتحيزِ في جهةٍ، وعن سائرِ صفاتِ المخلوقِ، وهذا القولُ هو مذهبُ جماعةٍ من المتكلمينِ، واختارَهُ جماعةٌ من محققيهمِ، وهو أسلمُ.

وأمَّا التأويلُ فهو مذهبُ معظمِ المتكلمينَ، وحقيقتهُ: أنْ تُتأولُ نصوصُ الصفاتِ على ما يليقُ بالله بحسبِ مواقعها، وإنما يسوغُ تأويلها لمن كانَ إمامًا عارفًا بلسانِ العربِ وقواعدِ الأصولِ والفروعِ.

والمقصودُ بالصفاتِ الخبريةِ: الصفاتُ التي لا طريقَ إلى إثباتها إلا من خلالِ الوحيِ الشريفِ، كوصفِهِ باليدينِ والوجهِ والغضبِ والرضا والمحبةِ ونحوها.

قال الإمامُ البيهقيُّ: «وأما السمعيُّ: فهو ما كانَ طريقُ إثباتِهِ الكتابَ والسنةَ فقطِ، كالوجهِ واليدينِ والعينِ، وهذه أيضا صفاتٌ قائمةٌ بذاتِهِ لا يقالُ فيها: إنها هي المسمىِ، ولا غيرُ المسمىِ، ولا يجوزُ تكييفهاِ، فالوجهُ لهُ صفةٌ وليستْ بصورةِ، واليدانِ لهُ صفتانِ وليستا الجارحتينِ، والعينُ لهُ صفةٌ وليستْ بحدقةِ، وطريقُ إثباتها لهُ صفاتِ ذاتٍ وردُ خبرِ الصادقِ بِهِ» [1، ص 70].

الأصلُ الرابعُ: امتِنَاعُ قيامِ الحوادثِ بذاته تعالى.

امتناعُ قيامِ الحوادثِ بذاتِ اللهِ تعالى قاعدةٌ اعتقاديةٌ عظيمةٌ، ينبثقُ عنها العديدُ من المسائلِ الجوهريةِ، وهي تُقرِّرُ تنزيهَ اللهِ عن كلِّ ما يُنافي كمالَهُ، أو يُوحي بتغيرٍ أو تحولٍ أو حدوثٍ في ذاتِه العلية، صيانةً عن الوقوعِ في تشبِيْهِ صفاتِ الخالق بالمخلوق، وأنَّه سبحانه مُتَفرِّدٍ بالأزليةِ والكمالِ الذي لا يعتريهِ نقصٌ ولا تبدُّلٌ.

والمقصودُ بالحوادثِ الأمورُ الطارئةُ المتغيرةُ التي لم تكنْ موجودةٍ ثم وُجدت، كالحركةِ والتغيُّرِ من حالٍ إلى حالٍ، فاللهُ سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عنْ أنْ يَحُلَّ بذاته حادثٌ، أو تُضافَ إليه صفاتٌ حادثةٌ لم يتصف بها أزلاً، وعلى ذلك دلَّ العقلُ والنقل.

إذْ لوْ قَبِلَتْ ذاتُهُ الحوادثَ، لكان ذلك دليلاً على نقصٍ سابقٍ، أو حاجة إلى كمالٍ لاحقٍ، وهو محال في حق الله.

ثمَّ إنَّ التغيرَ دليلُ الحدوث: فالتغير من حالٍ إلى حالٍ هو صفةٌ للمخلوقاتِ، لأنه يدلُّ على وجودِ نقصٍ يحتاج إلى تكميلٍ، أو على وجودِ بدايةٍ بعدَ عدمٍ.

ولو قَبِلت ذاتُه الحوادث لَشَابَهَ المخلوقات، وجازَ عليه ما يجوزُ عليها من النقائص، ودلَّ قولُهُ تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} [الحديد: 3] على أنَّهُ أوَّلٌ بذاته وصفاته، وآخِرٌ بذاته وصفاته، وما كانَ هذا وصفُهُ فلا حدوثَ يعتريه.

وهذه حُجَّةُ إبراهيمَ عليه السلام على قومِهِ، فإنَّهُ استدلا بتغيرها وأُفُوْلِهَا على نقصِهَا وعدمِ استحقاقها الألوهية، قال الله سبحانه: {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76].

وما وردَ في النصوصِ مما يُوْهِمُ الحدوثَ فليس على ظاهرهِ، بل له تأويلٌ سُنِّيٌ يوافقُ الأصولَ، ويُلائمُ العقولَ.

فحديثُ النزولِ الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه: «إذا مضى شطرُ الليلِ أو ثلثاهُ ينزلُ الله تبارك وتعالى إلى السماءِ الدنيا فيقولُ: هل من سائلٍ يُعطى؟ هل من داعٍ يُستجابُ له؟ هل من مستغفرٍ يُغفرُ له؟ حتى ينفجِرَ الصبحُ».

أجمعَ أهلُ السنة على أنَّ النزول في الحديثِ ليس المرادُ به الحركةُ والانتقالُ، واختلفوا فيما هو المرادُ على أقوالٍ ثلاثةٍ:

القولُ الأولُ: أنَّ الله تعالى فعلَ فعلاً في خلقِهِ سمَّاهُ (نزولاً)، وليس هو انتقالٌ وحركة، وليس هذا الفعل في ذاتِ الله تبارك وتعالى، لأنَّ ذاتَهُ ليست محلَّاً للحوادثِ، ونَكِلُ علم معنى النزول إلى الله تعالى.

القولُ الثاني: أنَّ المراد منه، نزول مَلَكٍ، جمعاً بين هذا الحديث والحديث الآخر الذي رواه النسائي، عن أبي مسلم الأغر قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد رضي الله عنهما يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله عز وجل يُمهل حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داعٍ يُستجابُ لَهُ، هل مِنْ مُستغفرٍ يُغْفَرُ له، هل من سائل يُعْطى».

القول الثالث: أنَّ المُرادَ نزول أمره، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهو مجاز مشهور، يقال: ضرب الأمير فلاناً وصلبه وأعطاه، والمراد أنَّهُ أمَرَ بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه.

وهكذا سائرُ النصوصِ التي تُوهِمُ قيامَ الحوادثِ بذاتِ الله تعالى.

تنبيهات مهمة:

الفرق بين الفعل الإلهي وقيام الحوادث: أنَّ أفعال الله تعالى قائمةٌ بالمخلوقات، والمَنْفيَّ في قيام الحوادثِ هو قيامُها بذاتِهِ سبحانه.

الأصلُ الخامس: الحملُ على الظاهرِ مُتعيِّنٌ إلا حيثُ امتنع.

هذه القاعدةُ أصلٌ من أصولِ أهلِ السنةِ في التعاملِ مع النصوصِ، وتُبيِّنُ موقفَهُم من ظاهرِ النصوصِ، وكيفية فهمها بما يتفق مع قواعدِ اللغة العربية والتنزيهِ الإلهيِّ.

والمقصودُ بالظاهرِ: المعنى الذي يتبادرُ إلى الذهنِ عند سماعِ النصِّ، وهو المعنى الأوليُّ المباشرُ للكلمةِ في سياقِها، وهذه القاعدةُ تفيدُ بأنَّ الأصلَ الواجبَ في فهمِ النصوصِ الشرعيةِ هو حملُها على ظاهرِها، ما لم يكنْ هناك دليلٌ أو قرينةٌ تمنعُ هذا الفهمَ، فإنْ كان حملُ النصِّ على ظاهرِهِ يؤدي إلى إثباتِ معنى غيرِ لائقٍ باللهِ تعالى كالتشبيهِ أو التجسيمِ، فإنَّهُ يجبُ العدولُ عن الظاهرِ إلى تأويلٍ يتفقُ مع التنزيهِ.

فالنصوصُ التي تتضمنُ:

  • ذكرَ ما مَدلُولُهُ في ظاهرِ اللغةِ جوارحُ وأعضاءٌ، كاليدِ، والوجهِ، والجنبِ، والساقِ.
  • أو انفعالاتٌ كالرحمةِ والغضبِ.
  • أو حدوثٌ كالاستواءِ والنزولِ.

وجبَ حينئذٍ العدولُ عن الظاهرِ، وسلوكُ ما سبقَ ذكرُهُ من التفويضِ أو التأويلِ.

وبهذا الأصلِ جمعَ أهلُ الحقِّ بين حرمةِ النصوصِ ودلائلِ العقولِ، وصانَ أهلُ الحقِّ بهذه القاعدةِ الأذهانَ عن الوقوعِ فيما وقعتْ فيه المجسمةُ، ومثَّلتْ منهجًا متوازنًا يجمعُ بين الالتزامِ بظاهرِ النصوصِ عند إمكانِهِ، واللجوءِ إلى التأويلِ عند تعذرِهِ.

وقد أثمرَ الالتزامُ بهذا الأصلِ ما يليَ:

أولاً: إثباتُ صفاتٍ أزليةٍ للباري عز وجل زائدةٍ على الذاتِ؛ كالعلمِ والقدرةِ والإرادةِ، لتظافرِ الوحيِ والعقلِ على إثباتِها.

ثانياً: حملُ الرحمةِ والرضا والغضبِ ونحوها على أنَّها أفعالٌ لا انفعالاتٌ، أو السكوتُ على ذلكَ وردُّ العلمِ إلى الله تعالى.

ثالثاً: الأخذُ بظاهرِ قولِهِ تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، فأثبتَ أهلُ الحقِّ الكلامَ صفةً واجبةً قديمةً للهِ تعالى، قائماً بهِ، خلافاً للمعتزلةِ الذين جعلوا كلامَ اللهِ مخلوقاً، وذهبوا إلى التأويلِ مع إمكانِ الظاهرِ، وخلافاً لمن جعلَ الكلامَ حرفاً وصوتاً مع امتناعِ ذلك في حقِّ اللهِ تعالى.

رابعاً: أخذوا في خلقِ أفعالِ العبادِ بالظاهرِ في النصوصِ، فقالوا: إنها خلقٌ للهِ، كسبٌ للعبدِ، أما كونُها خلقاً للهِ فلقولِهِ تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102]، وقولِهِ تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، وأما كونُها كسباً للعبدِ فلقولِهِ تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]، وقولِهِ تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [غافر: 17]، وقولِهِ تعالى: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39].

خامساً: أخذوا بظاهرِ النصوصِ الواردةِ في رؤيةِ اللهِ تعالى، فقالوا: رؤيةُ اللهِ بالأبصارِ ثابتةٌ في الآخرةِ، ولم يبالوا بتشغيباتِ المعتزلةِ.

وهكذا فعلوا في إثباتِ الحسابِ، والميزانِ، والحوضِ، وغيرِها.

الأصلُ السادسُ: لا يجبُ على الله شيءٌ.

هذا الأصلُ قائمٌ على إثباتِ كمالِ الله تعالى، ليسَ فوْقَهُ آمرٌ يُوجبُ عليه شيئاً، فله كمالُ الاختيار، وله كمالُ الإرادة، وله كمالُ القدرة، وكلُّ ما سواهُ فمملوكٌ لَهُ سبحانه، يفعلُ اللهُ ما يشاء، لا مُعَقِّبَ لأمره، ولا رادَّ لقضائِهِ.

وكلُّ أفعالِ الله سبحانه تَصْدُرُ عن مشيئته وإرادته، ولا يتوقَّفُ فعلُهُ على سببٍ أو علةٍ، والقولُ بخلافِ ذلكَ نقصٌ مستحيلٌ في حقِّ الله تعالى.

ودلَّ على هذا الأصلِ العقلُ والوحيُ، أمَّا العقلُ فما سبقَ مِنْ كونِهِ سبحانه مالكَ الملك الذي يُوْجِبُ على غيرِهِ، ولا يجبُ عليه شيءٌ، وأمَّا سمعاً فقوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، وما ساقَ إليهم من خيرٍ في الدنيا والآخرة فبمحضِ فضلِهِ، وما أنْزَلَ بهم من بلاءٍ أو عقوبةٍ في الدنيا والآخرة فبمحضِ عدلِه، وكلُّ فعلِهِ سبحانه جميلٌ، موصوفٌ بالحكمةِ البالغة.

فلا يجبُ على الله إرسالُ الرسلِ وإنزالُ الكتبِ، وإثابة الطائعين وعقوبة العاصين، وفعلُ الصلاحِ والأصلح، وإيصالُ النعمِ، ودفعُ النِّقَمِ، وغيرُ ذلك مما خالفَ فيه مَنْ خالفَ من المعتزلة والفلاسفة.

الأصلُ السابعُ: عدمُ تكفيرِ أهلِ القبلةِ إلا بجحدِ معلوم بالضرورة.

مِنْ أصولِ أهلِ الحقِّ عدم تكفير أهل القبلة إلا بجحدِ معلومٍ مِن الدين بالضرورة، فإنَّ الحكمَ بكفرِ مَنْ لا يستحقُّ وصفَ الكفر من أعظمِ الجنايةِ، وأفْحَشِ الظلمِ، ثُمَّ هو مع ذلكَ تفريقٌ لصفِّ المؤمنين، واعتداءٌ على حقوقهم التي تثبتُ بالإيمان، كالدعاءِ لهم، والصلاةِ عليهم، واستحقاقهم الميراث، والدفن في مقابر المسلمين، وغيرِ ذلك مما هو معلومٌ.

والمقصودُ بأهل القبلة: مَنْ صَدَّقَ بضرورياتِ الدِّينِ كُلِّهَا عِنْدَ التَّفْصِيل، فكلُّ مَنْ نطقَ الشهادتين، وأظهرَ الإسلامَ امتَنَعَ تكفيره، حتَّى يَظْهَرَ منه التكذيبُ لضروريٍ من الدينِ، أو ما يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التكذيب.

والمقصودُ بـ «جحد المعلوم بالضرورة» إنكارُ أمرٍ ثابتٍ، معلومٍ من الدين بالضرورةِ، بحيثُ لا يخفى على أحد من المسلمين، مثل وجوب الصلاة والصيام وحرمة الزنا، ونحو ذلك، ولا يكونُ بهذه المثابة إلا ما ثبت بالقرآن أو السنة المتواترة، وكانَ قطعيَّ الدلالة، وأجمع عليه المسلمون، ويعلمه العامة والخاصة.

ويدلُّ على هذا الأصلِ قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، والآية تتحدث عن مَنْ وقع بينهم خصومة واقتتال، فلم يكن وقوعهم في ذلك مُخرِجاً لهم عن الإيمان.

وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: 94]، وظاهر اللفظ في الآية الأمرُ بالتثبت، والنهي عن نفي سِمَةِ الإيمانِ عنه.

وفي صحيحِ البخاريِّ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا قال الرجلُ لأخيهِ: يا كافرُ، فقد باءَ به أحدُهما»(1)، وفي صحيحِ مسلمٍ أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أيما امرئٍ قال لأخيهِ: يا كافرُ، فقد باءَ بها أحدُهما، إن كان كما قال، وإلا رجعتْ عليهِ»(2).

وروى الإمامُ البيهقيُّ بسندهِ إلى أبي الحسنِ الأشعريِّ أنَّه قال: «اشهد عليَّ أني لا أكفرُ أحداً من أهل هذه القبلة؛ لأنَّ الكلَّ يُشيرون إلى معبودٍ واحدٍ، وإنما هذا كلُّهُ اختلافُ العبارات»] 6 ، ص 321[.

وقال الإمام ابن عبد البر: «وقدِ اتَّفقَ أهلُ السُّنّةِ والجَماعةِ، وهُم أهلُ الفِقهِ والأثَرِ، على أنَّ أحدًا لا يُخرِجُهُ ذنبُهُ، وإن عَظُمَ، من الإسلام. وخالَفهُم أهلُ البِدَع، فالواجِبُ في النَّظرِ، ألا يُكفَّر إلّا منِ اتَّفقَ الجميعُ على تَكفيرِهِ، أو قامَ على تَكفيرِهِ دليلٌ لا مَدْفعَ لهُ، من كِتابٍ أو سُنّةٍ»] 7 ، ص 395[.

ويترتبُ على هذا أنَّ أصحابَ الكبائرِ مؤمنون عصاةٌ، وهم تحتَ المشيئةِ، ومَنْ عُوقِبَ بالنار فإنَّهُ لا يخلد فيها، ودلَّ على ذلك الأحاديثُ الصحيحة.

الأصلُ الثامنُ: الأنبياءُ معصومون.

اعتقادُ أهل الحق من الأثرية والأشعرية والماتريدية أنَّ الأنبياءَ معصومونَ، والعصمة لغة: المنع، واصطلاحاً: فَيْضٌ إلهي يَقْوَى بهَا الْإِنْسَانُ على تحري الْخَيْرِ، والتَّجَنُّبِ عَن الشَّرِّ.

قال إمام الحرمين الجويني: «والعصمةُ: هي التوفيقُ بعينهِ؛ فإنْ عَمَّتْ كانت توفيقاً عاماً، وإن خَصَّتْ كانت توفيقاً خاصَّاً» [1، ص 275].

وقرَّرَ أهلُ الحقِّ أنَّ المعجزةَ تقتضي الصدقَ في دعوى النبوةِ، وما يتعلقُ بِهَا من التبليغ وشرعيةِ الأحكام، وقد أجمعَ أهلُ المِلَلِ والشرائعِ على عصمةِ الأنبياء عن تَعَمُّدِ الكَذِبِ فِيمَا دلَّ المعجزُ على صدقهم فِيهِ، كدعوى الرسَالَة وَمَا يبلغونه عن الله.

وأمَّا هل يجوزُ أنْ يصدرَ منهم ذلك على سَبِيل السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ، ففيه خِلَافٌ: فَمَنعه الْأُسْتَاذُ أبو إسحاق الإسفراييني وَكثيرٌ من الْأَئِمَّةِ لدلَالَةِ المعجزةِ على صدقِهِم، وَجوزهُ القَاضِي أبو بكر الباقلاني، بناء على عدمِ دُخُوله فِي التَّصْدِيق الْمَقْصُود بالمعجزة.

قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي (ت: 543هـ): «قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب: «أجمع الأئمة من علماء المسلمين على عِصْمَةِ الأنبياءِ من الفَوَاحِشِ والكبائرِ والمُوبِقَاتِ، وهو مُستَنَدُ الجمهورِ، ومعهم على ذلك دليل العقل من الإجماع.

وأمّا الصّغائر، فجوَّزَها جماعةٌ من السَّلَفِ وغيرُهم على الأنبياء، وهو مذهب أبي جعفر الطَّبريِّ وغيرِه من المُفَسِّرين والفقهاء والمُحَدِّثِين، وقول قلائل من المتكلِّمين» ]8، ص 275.[

قال القاضي عياض (ت:544هـ) في الشفا: «وذهبت طائفةٌ أخرى من المحققين من الفقهاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ.. قَالُوا: لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الصَّغَائِرِ وَتَعْيِينِهَا مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِشْكَالِ ذَلِكَ» [9، ص 329].

الشعبةُ الثانيةُ: التجديدُ في المسلكِ الأشعريِّ والتحديات.

في زمنٍ تكاثرت فيه الأصوات المنادية بالتجديد في العقيدة والفقه، يتوجس كثير من الناس من هذه الدعوات، لا عنادًا عن قبولِ الحق، ولا جموداً على الموروث، بل لأنهم يرون في أكثرها رياحًا تهبُّ على الشجرة العتيقة لتقتلعها من جذورها، لا لتُثمر أغصانها، فالتجديد الحقيقي هو الذي يُبنى على أصلٍ راسخ، ويُتمم ما نقصَ، ويُصلح ما فسدَ، دون أن يمسَّ ثوابتَ الدينِ التي هي بمثابةِ النجومِ الهاديةِ في ظلامِ الليلِ.

أما أكثرُ ما يُطرحُ اليومَ تحتَ شعاراتِ التجديدِ فهو في حقيقتِهِ تبديدٌ للثوابتِ، وهدمٌ للأسسِ، وتلاعبٌ بمقاصدِ الشريعةِ، لذلك يَبقى الحذرُ واجبًا، والفهمُ العميقُ ضرورةً، حتى لا نُضحيَ بالجوهرِ في سبيلِ سرابٍ زائفٍ يَلبسُ ثوبَ التجديدِ، وهو في الحقيقةِ دعوةٌ إلى التيه والضياع.

ويمكننا أن نتناولَ هنا بعضَ المجالاتِ التي تحتاجُ إلى تجديدٍ في المادةِ والصورةِ:

المجالُ الأولُ: قضايا التوحيدِ والإلحادِ.

إثباتُ وجودِ اللهِ هو أحدُ أهمِّ القضايا التي تشغلُ الفكرَ الإنسانيَّ، خاصةً في عصرِنا الحاليِّ حيث تنتشرُ الشبهاتُ والإلحادُ. يمكنُ تطويرُ أدلةٍ عقليةٍ ونقليةٍ جديدةٍ لإثباتِ وجودِ اللهِ من خلالِ الاستفادةِ من الاكتشافاتِ العلميةِ الحديثةِ، مثل نظريةِ الانفجارِ العظيمِ ونظريةِ النظامِ والإحكامِ والدقةِ في الكونِ.

المجالُ الثاني: دليلُ الحدوثِ (نظريةُ الانفجارِ العظيمِ).

تشيرُ نظريةُ الانفجارِ العظيمِ إلى أنَّ الكونَ له بدايةٌ، وأنَّهُ نشأَ من نقطةٍ واحدةٍ، مما يتعارضُ مع فكرةِ الكونِ الأزليِّ أو القديمِ بلا بدايةٍ، التي تبناها بعضُ الفلاسفةِ مثل أرسطو، هذا الطرحُ العلميُّ داعمٌ لثوابتِ الاعتقادِ الإيمانيةِ التي تقررُ أنَّ للكونِ خالقًا.

تقررُ النظريةُ ابتداءَ نشأةِ الكونِ قبل حوالي 13.8 مليار سنةٍ، من حالةٍ شديدةِ الكثافةِ والحرارةِ تُعرفُ بالمتفردةِ.

ثم تمددَ الكونُ بسرعةٍ هائلةٍ في لحظةٍ قصيرةٍ تُعرفُ بالتضخمِ الكونيِّ، ومع استمرارِ التمددِ، انخفضت درجةُ الحرارةِ، وبدأتِ المادةُ والطاقةُ في التشكلِ، ما أدى إلى تكوينِ الذراتِ، والنجومِ، والمجراتِ.

تدعمُ النظريةَ أدلةٌ علميةٌ مثلُ إشعاعِ الخلفيةِ الكونيةِ الميكرويِّ، وتمددِ المجراتِ، والنسبِ الكونيةِ للعناصرِ الخفيفةِ، وتشرحُ النظريةُ أصلَ الكونِ وتطورَهُ.

المجالُ الثالثُ: دليلُ النظامِ.

جميعُ الاكتشافاتِ العلميةِ الحديثةِ تظهرُ أنَّ الكونَ يتمتعُ بنظامٍ دقيقٍ مُحكَمٍ، كالتوازنِ في القوانينِ الفيزيائيةِ التي تسمحُ بوجودِ الحياةِ، ولا يمكنُ أنْ يكونَ هذا النظامُ نتيجةَ صدفةٍ، بل يدلُّ على وجودِ خالقٍ حكيمٍ، وكقانونِ الجاذبيةِ، والثوابتِ الفيزيائيةِ (مثل سرعةِ الضوءِ)، لو تغيرتْ بأدنى درجةٍ لما كانَ الكونُ موجودًا.

المجالُ الرابعُ: إحياءُ فريضةِ النظرِ والتفكرِ.

والاستفادةِ من الاكتشافاتِ العلميةِ الحديثةِ، وذلكَ بالتأملِ في عالمِ الأحياءِ، وما أودعَ اللهُ في مخلوقاتِهِ من الآياتِ والبيناتِ، وما هي عليه من الدقةِ البالغةِ والتعقيدِ المذهلِ في خلقِها وتوجيهِها، ويأتي كنموذجٍ على ذلك الحمضُ النوويُّ (DNA).

المجالُ الخامسُ: رصدُ الشبهاتِ المعاصرةِ ومعالجتُها.

معالجةُ الشبهاتِ التي يثيرُها الملحدونَ، كمشكلةِ الشرِّ في العالمِ، وعلاقةِ الدينِ بالعلمِ، ووجودِ تناقضاتٍ مزعومةٍ في النصوصِ الدينيةِ، ثم بعدَ الرصدِ التحليلُ والنقدُ.

المجالُ السادسُ: إحياءُ سنةِ الجدالِ بالتي هي أحسنُ.

إحياءُ سنةِ الجدالِ بالتي هي أحسنُ ضرورةٌ ملحةٌ لتعزيزِ الحوارِ البناءِ وتصحيحِ المفاهيمِ المغلوطةِ. فالجدالُ بالحسنى يعكسُ أخلاقياتِ الإسلامِ في الدعوةِ، ويفتحُ القلوبَ والعقولَ للحقيقةِ بالحجةِ والبرهانِ. كما أنَّهُ يساهمُ في تقويةِ الإيمانِ، إذ يتطلبُ من المسلمينَ العلمَ بأصولِ الدينِ وردِّ الشبهاتِ. هذا الأسلوبُ يسهمُ في نشرِ قيمِ التعايشِ السلميِّ، ويحدُّ من التطرفِ والتعصبِ، ويظهرُ جمالَ الإسلامِ وعدلَهُ في التعاملِ مع المخالفينَ.

المجالُ السابعُ: العلاقةُ بين الدينِ والعلمِ.

العلمُ والدينُ مترابطانِ في جوهرِهما، فالعلمُ يفتحُ آفاقَ العقلِ لفهمِ قوانينِ الكونِ ونواميسِهِ، مما يقودُ إلى الإقرارِ بعظمةِ الخالقِ وحكمتِهِ. كلما تعمقَ الإنسانُ في علومِ الطبيعةِ والكونِ، ازدادَ إدراكُهُ لآياتِ اللهِ الدالةِ على وحدانيتِهِ.

والإسلامُ يحثُّ على طلبِ العلمِ ويجعلُهُ عبادةً، مؤكدًا أنَّ العلمَ الصحيحَ لا يتعارضُ مع الدينِ الحقِّ، بل يعززُهُ. الخصومةُ بين العلمِ والدينِ التي يروجُ لها الجاهلونَ تنبعُ من سوءِ فهمٍ أو من تفسيراتٍ خاطئةٍ، إذ أنَّ الدينَ يرشدُ الإنسانَ إلى الغاياتِ، والعلمُ يبينُ الوسائلَ، وكلاهما يكملُ الآخرَ في رحلةِ البحثِ عن الحقيقةِ.

العلاقةُ بين العلمِ والدينِ علاقةٌ تكامليةٌ، فالعلمُ يرشدُ إلى معرفةِ اللهِ من خلالِ اكتشافِ بديعِ صنعِهِ في الكونِ، مما يعززُ الإيمانَ بعظمةِ الخالقِ، والدينُ يوجهُ العلمَ لخدمةِ الإنسانيةِ ويضعُ له ضوابطَ أخلاقيةً.

والواجبُ هو السعيُ للتوفيقِ بين النصوصِ الدينيةِ والنظرياتِ العلميةِ ما أمكنَ، ويتطلبُ هذا فهمًا عميقًا لكليهما، مع مراعاةِ أنَّ المقصودَ الأعلى من الوحيِ هو الهدايةُ لأقومِ العقائدِ والأعمالِ والأخلاقِ، بينما العلمُ يبحثُ في كيفيةِ حدوثِ الظواهرِ، مع الجزمِ بأنَّهُ لا تعارضَ بين قطعيٍّ من الوحيِ وقطعيٍّ من العلمِ.

وبناءً على ذلكَ فمن وجوهِ التجديدِ أنْ يُعادَ تفسيرُ النصوصِ المحتملةِ وفقَ قانونِ التأويلِ المعتبرِ في ضوءِ الاكتشافاتِ العلميةِ القطعيةِ الحديثةِ، مع الحفاظِ على الثوابتِ العقائديةِ، مع ضرورةِ التفريقِ بين الحقيقةِ العلميةِ، والنظريةِ العلميةِ، والفرضيةِ العلميةِ، وعدمِ التفريقِ بين هذه الثلاثةِ مزلةِ أقدامٍ ومضلةِ أفهامٍ.

المجالُ الثامنُ: نقدُ الفلسفاتِ الماديةِ.

الفلسفاتُ الماديةُ، كالماركسيةِ والوجوديةِ، تُعلي من شأنِ المادةِ وتجعلُها محورَ الوجودِ، مُنْكِرةً لوجود الله، متنكرةً للغيبِ ولدورِ الدينِ في تفسيرِ الحياةِ والإنسانِ، متجاهلةً بذلك الأسئلة الكبرى عن الغاية والمعنى للخلق، هذه الفلسفاتُ تُهملُ الجانبَ الروحيَّ والأخلاقيَّ، وتختزلُ الإنسانَ في بُعدٍ ماديٍّ بحتٍ، مما يؤدي إلى فراغٍ قيميٍّ واجتماعيٍّ، والعلمُ الحديثُ، بدراستِهِ لتعقيدِ الكونِ ودقةِ قوانينِهِ، يُظهرُ أنَّ هناكَ حكمةً وصانِعَاً لهذا الكون، مما يتعارضُ مع فكرةِ الصدفةِ التي تدعو إليها الماديةُ، كما أنَّ التاريخَ أثبتَ فشلَ هذه الفلسفاتِ في تحقيقِ السعادةِ للإنسانِ، بينما الدينُ يظلُّ مصدرًا للتوازنِ الروحيِّ والأخلاقيِّ.

يتزعمُ الفلسفةَ الوجودية تيارٌ فلسفيٌّ يركِّزُ على طبيعةِ الوجودِ الإنسانيِ بوصفهِ قضيةً مركزيةً، وتؤكدُ على حريةِ الإنسانِ ومسؤوليتِهِ الكاملةِ عن خياراتهِ، وإنكارِ الحقيقةِ المطلقةِ، وأنَّ الحاضرَ هو جوهرُ الوجودِ، وأنَّ العالمَ عبثيٌّ بلا غايةٍ، نشأتْ هذه الفلسفةُ كردِّ فعلٍ للحروبِ العالميةِ والتقدمِ العلميِّ ورفضِ السلطةِ الدينيةِ التقليديةِ.

المجالُ التاسعُ: مواجهةُ الشكوكِ الفلسفيةِ.

سعى أقوامٌ من الفلاسفةِ ومنهم ديكارت إلى جعلِ الشكِّ منهجاً يجبُ سلوكُهُ كأداةٍ للوصولِ إلى اليقينِ، وشكَّ ديكارت في كلِّ شيءٍ حتى وصلَ إلى القولِ: "أنا أفكرُ، إذن أنا موجودٌ".

ومنْ هؤلاءِ المتشككين (كانتْ)، الذي بنى فلسفتَهُ التشكيكيَّةَ على نقدِ العقلِ، والتشكيكِ في قدرتِهِ على إثباتِ وجودِ اللهِ، واعتبرَ أنَّ اللهَ موجودٌ كفكرةٍ أخلاقيةٍ لا أكثرَ.

المجالُ العاشرُ: إحياءُ علمِ المنطقِ الإسلاميِّ وتفعيلُهُ.

إحياءُ علمِ المنطقِ وتضمينِهِ في مختلفِ المناهجِ التعليميةِ، بطريقةٍ مبسطةٍ تراعي قدراتِ الطلابِ، ويمكنُ أن يكونَ المنطقُ جزءًا من موادِّ التفكيرِ النقديِّ، مع التركيزِ على أمثلةٍ عمليةٍ من التراثِ الإسلاميِّ وتطبيقاتِهِ في العلومِ الحديثةِ، هذا الدمجُ يعززُ من قدرةِ الطلابِ على التفكيرِ المنهجيِّ والتحليليِّ، ويؤسسُ قاعدةً معرفيةً تساعدُهُم على فهمِ النصوصِ الدينيةِ والعلميةِ بشكلٍ أفضلَ، وإحياءُ المنطقِ الإسلاميِّ وتفعيلُهُ يتطلبُ جهدًا جماعيًا من العلماءِ، والمؤسساتِ التعليميةِ، والمجتمعِ.

المجالُ الحادي عشر: الوعيُ بعلمِ الإعلامِ وأثرِهِ وتحدياتِهِ.

الوصولُ إلى الشرائحِ الواسعةِ في المجتمعِ شبابًا ونساءً لا يكونُ إلا من خلالِ الإعلامِ، ولهذا فتأثيرُ الإعلامِ على العقيدةِ يعتبرُ تحديًا كبيرًا في عصرِنا الحاليِّ.

وتظهرُ هذه الأهميَّةُ للإعلامِ إذا أدركنا تأثيرَهُ الكبير على العقيدةِ، والسعيَ الحثيثَ مِنْ كثيرٍ من القائمينَ على برامجِهِ للنيلِ من صورةِ الإسلامِ، وربطِهِ بالإرهابِ والعنفِ، وإلصاقِ التعصبِ والتخلفِ بكلِّ من استمسكَ به، ونشرِ الأفكارِ المنحرفةِ كالإلحادِ، والتحررِ المطلقِ من القيودِ الأخلاقيةِ، والتهوينِ والسخريةِ من الحلالِ والحرامِ، والتقليلِ من أهميةِ العباداتِ، والتركيزِ على القيمِ الماديةِ والاستهلاكيةِ، وتشتيتِ الانتباهِ، وإلهاءِ الشبابِ بالتفاهاتِ.

وعمومًا فالإعلامُ الحديثُ، بكلِّ أشكالِهِ (التلفزيونِ، الإنترنتِ، وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، الأفلامِ، الإعلاناتِ، إلخ)، أصبحَ أحدَ أقوى الأدواتِ التي تشكلُ وعيَ الأفرادِ وتؤثرُ في قناعاتِهم وقيمِهم.

وهذا يحتمُ على الغيورينَ والصادقينَ أن يكونوا على معرفةٍ جيدةٍ بالثقافةِ الإعلاميةِ، والثقافةِ الرقميةِ، ووسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وتأثيرِها على الهويةِ الإسلاميةِ.

ثمَّ وضعُ البرامجِ والخططِ لاستثمارِها من خلالِ تعزيزِ التوعيةِ الدينيةِ، وإنتاجِ محتوى إسلاميٍّ جذابٍ، واستخدامِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ بشكلٍ إيجابيٍّ، والتعاونِ مع المؤسساتِ الإعلاميةِ، وتعزيزِ التفكيرِ النقديِّ، كلُّ ذلكَ يمكنُ أن يؤديَ دورًا كبيرًا في حمايةِ العقيدةِ والقيمِ الإسلاميةِ من التأثيراتِ السلبيةِ للإعلامِ.

ومواجهةُ ما سبقَ تستدعي مادةً إعلاميةً راشدةً تحققُ التوعيةَ الدينيةَ، ودحضَ الشبهاتِ، من خلالِ اللقاءاتِ الحواريةِ، وإنتاجِ محتوى إسلاميٍّ جذابٍ، وأفلامٍ ومسلسلاتٍ هادفةٍ، وحسنِ استخدامِ منصاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وتعزيزِ التفكيرِ النقديِّ، والتعاونِ مع المؤسساتِ الإعلاميةِ، وحسنِ إعدادِ الأسرةِ.

والتركيزُ على بيانِ الموقفِ الإسلاميِّ النابعِ من اعتقادِ وحدانيةِ اللهِ تعالى، ونبوةِ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم تجاه قضايا التعدديةِ الدينيةِ، والحوارِ بين الأديانِ، والتعايشِ السلميِّ، وقضايا المرأةِ والجندرِ، ونحوها.

الّنتائج:

في ختام هذه المقالة، يتضح أنَّ العقيدة السنية الأشعرية والماتريدية تمثِّل تراثًا عقديًّا متوازنًا جمع بين النص والعقْل، وأرسى دعائم الإيمان الراسخ دون غلوٍّ أو تفريط. وقد بيَّنت الأصول الثمانية التي اعتمدها أهل السنة أنَّ منهجهم قائم على التسليم للنصوص الشرعية، مع التزام التنزيه الإلهي، ومراعاة ضوابط اللغة والعقل، ورفض التشبيه والتجسيم، والاعتراف بكمال الله الذي لا يشبهه شيء.

كما أنَّ هذا المنهج لم يكن جامدًا، بل دعا علمُ الكلام السنيُّ – بفروعه الأشعرية والماتريدية – إلى التجديد الدائم، بما يواكب التحديات الفكرية والعلمية المعاصرة، ويواجه الشبهات الحديثة كالإلحاد والعلمانية، مستفيدًا من معطيات العلم الحديث مثل نظرية الانفجار العظيم ودقة النظام الكوني، في إثبات وجود الخالق ووحدانيته.

ولا يُفهم التجديد هنا على أنه هدم للثوابت أو مجاراة للأهواء، بل هو تجديدٌ نابعٌ من الأصل نفسه، يُحيي فريضة التفكُّر، ويُفعِّل منطقَ الحوار بالحسنى، ويُعيد ربط العلم بالدين في علاقة تكاملية، ويواجه الفلسفات المادية والشكوكية بحجج عقلية ونقلية رصينة.

وختامًا، فإنَّ استمرار هذا المنهج في حفظ عقيدة الأمة ووحدتها يتطلب وعيًا إعلاميًّا، وتجديدًا منهجيًّا، وتفعيلًا للمنطق الإسلامي، وحرصًا على عدم تكفير أهل القبلة بغير برهان، مع التمسك بعصمة الأنبياء وتنزيه الله عما لا يليق بجلاله. والله وليُّ التوفيق.

1. صحيح البخاري برقم (6103)] 4[.

2. صحيح مسلم برقم (111) ]5[.

Список литературы

1. ‘Абд-аль-Малик ибн ‘Абд-Аллах аль-Джувайни. Аль-Иршад иля каваты‘ аль-адилля фи усуль аль-и‘тикад. Каир: Матба‘ат ас-са‘ада; 1369 х. / 1950 г. 485 с.

2. Абу-Хамид Мухаммад ибн Мухаммад ат-Туси аль-Газали. Аль-Иктисад фи аль-и‘тикад. Бейрут: Дар аль-кутуб аль-‘ильмиййа; 1424 х. / 2004 г. 138 с.

3. Ахмад ибн аль-Хусайн ибн ‘Али ибн Муса аль-Байхакы. Ал-И‘тикад ва-ль-хидайа иля сабиль ар-рашад ‘аля мазхаб ас-саляф ва асхаб аль-хадис. Бейрут: Дар аль-афак аль-джадида; 1401 х. 376 с.

4. Абу-‘Абд-Аллах Мухаммад ибн Исма‘иль аль-Бухари. Аль-Джами‘ ас-сахих. [Электронный ресурс]. – Приложение для IOS и Android «Джами‘ аль-кутуб ат-тис‘а».

5. Абу-ль-Хусайн Муслим ибн аль-Хаджжадж ан-Найсабури. Сахих аль-имам Муслим. [Электронный ресурс]. – Приложение для IOS и Android «Джами‘ аль-кутуб ат-тис‘а».

6. Ахмад ибн аль-Хусайн аль-Байхакы. Ма‘рифат ас-сунан валь-асар. Т. 14. Карачи: Джами‘ат ад-дирасат аль-ислямиййа; 1412 х. / 1991. 519 с.

7. Абу-‘Умар Йусуф ибн ‘Абд-Аллах Ибн-‘Абд-аль-Барр ан-Намари аль-Куртуби. Ат-Тамхид лима фи аль-Муватта’ мин аль-ма‘ани ва-ль-асанид. Лондон: Му’ассасат аль-фуркан ли-т-турас аль-ислями; 1439 х. / 2017 г. 710 с.

8. Мухаммад ибн ‘Абд-Аллах Ибн-аль-‘Араби аль-Ма‘афири аль-Малики. Аль-Масалик фи шарх Муватта’ Малик. Бейрут: Дар аль-гарб аль-ислями; 1428 х. / 2007 г. 483 с.

9. Абу-ль-Фадль ‘Ийад ибн Муса ибн ‘Ийад ибн ‘Амрун аль-Йахсуби ас-Сабти. Аш-Шифа би-та‘риф хукук аль-Мустафа (махзуф аль-асанид). Амман: Дар аль-файха’; 1407 х. 740 с.


Об авторе

С.А. Аль-Асри
Болгарская исламская академия
Россия

Сайф Али Аль-Асри, доктор исламских наук (PhD), доцент, преподаватель

г. Болгар 



Рецензия

Для цитирования:


Аль-Асри С. Суннитское вероучение: основы, обновление и вызовы. Minbar. Islamic Studies. 2026;19(1):121-135. https://doi.org/10.31162/2618-9569-2026-19-1-121-135

For citation:


Al-Asri S. Sunni creed: foundations, renewal and challenges. Minbar. Islamic Studies. 2026;19(1):121-135. (In Russ.) https://doi.org/10.31162/2618-9569-2026-19-1-121-135

Просмотров: 257

JATS XML


Creative Commons License
Контент доступен под лицензией Creative Commons Attribution 4.0 License.


ISSN 2618-9569 (Print)
ISSN 2712-7990 (Online)